فصل: إعجاز القرآن:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المعجزة الكبرى القرآن



.إعجاز القرآن:

26 - ذكر المؤرخون ما كان عليه العرب من تلقٍّ لديانات النبيين السابقين، حتى قال قائل المؤرخين وأهل السير: إن نوحًا عليه السلام كان بعثه فيهم، وكذلك كان إدريس، وصالح، وشعيب، وهود، وإبراهيم، وإسماعيل، فكانت مهدًا للرسالة الإلهية.
وإذا كان لذلك أثر أو دلالة، فهو أنَّ العرب قوم فيهم ثقافة وأديان، وقد وضحنا ذلك عند الكلام في حكمة اختيار العرب لِأَنْ يكونوا موضع الرسالة الخالدة؛ رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فيما كتبنا في سيرة الرسول عليه السلام.
وإذا كان العرب في عصر الرسالة المحمدية كانت فيهم بداوة سائدة، وحضارة قليلة، فأكثر العرب أو الصحراء العربية - إنِ استثنينا اليمن والحيرة، وما يصاقب الفرس والشام، وما يصاقب الرومان - كانت البداوة فيهم غالبة، ولكنهم في بدوهم وحضرهم، في مدرهم ووبرهم، امتازوا من بين معاصريهم بالنزوع إلى الكلام الطيب، وكانت سيادة الأمية سببًا في أن أرهفوا كلمات لغتهم وأسلوب خطابهم، وملاحظة جرس الكلمات، وموسيقى العبارات وانسجام الحروف، ومؤاخاة المعاني للألفاظ، حتى إنَّ النطق يدل على المعنى، وفي مترادف الكلمات ما يدل على أن المعاني كانت ملاحظة في كل لفظ، فالأسد يقال له: أسد وليث وغضنفر، وغير ذلك من المترادفات لمعنى السبع، فكلمة غضنفر تقال له في حال عنفه وفتكه، وكلمة ليث تقال في حالة ثباته ورباطة جأشه، وهكذا تجد النطق متلاقيًا مع المعنى، فهما متساوقان، المعنى ملاحظ في النطق، والنطق لابس للمعنى، وكلاهما يحيط بصاحبه ويؤاخيه ولا ينفصل عنه.
وفي الأسلوب الذي يصوره الإعراب تجد الانقطاع عن النسق الإعرابي في القول يتغير بتغيُّر وجه الإعراب من غير خطأ، بل يقصد معنى من معاني التخصيص يكون النطق في الانقطاع قائمًا مقام وضع خطوط تحت الكلمات، كما يفعل الكاتبون غير الأميين، وهكذا كان النطق قائمًا مقام خطوط الكاتبين في تنبيهها، وشدة الاختصاص في دقة المعاني، فهي بحق لغة إفصاح، وذلك لقوة المدارك، وعلوِّ الأفكار، والنزوع إلى السموِّ والمعالي مع الأمية وغلبة البدوية.
وقد ظهر ذلك في أمرين: أحدهما أنَّ الجزء الذي دخلته حضارة من البلاد العربية كاليمن والحيرة والبحرين لم تكن عندهم فصاحة، كالذين لم تسيطر عليهم الحضارة في قوة الإفصاح والبيان وسلامة التعبير، فلم تكن اليمنية كالعدنانية، ولا لغة أهل البادية كلغة قريش؛ لأن قريشًا قد قاربت وذاقت بعض الحضارة، وبقيت أميتها.
الأمر الثاني: في المسابقات البيانية التي كانت تعقد في الأسواق في موسم الحج في عكاظ، ومجنة، وذي المجاز، فقد كانت فيها تجارة المادة، وتجارة البيان معًا، فقد كان في الأولى زاد الجسم، وفي الثانية زاد النفس، كما ظهر ذلك في الشعر ومسابقاته، فمن معلقات تعلق في أستار الكعبة، وحوليات يقطع الحول في نسخ خيالها، ووصغ عباراتها التاي تصغي إليها الأفئدة.
ولو أنَّك وازنت بين العرب وغيرهم مِمَّن هم في مثل حالهم من البداوة الغالبة، لوجدتهم في السماك الأعزل، وغيرهم في الحضيض الأوهد، فلا يزال الحاضرون من غير العرب يجدون في شعر زهير بن أبي سلمى حكمة البيان الشعري، وفي شعر امرئ القيس قوة الوصف وفورة الشباب، وفي شعر عنترة قوة البأس ولطف التشبيب والغزل، وفي شعر طرفة قوة النفس الثائرة، وهكذا لو وازنت بين هذه الآثار وما بقي من شعر اليونان والرومان، لوجدتها لا تقل عنها في إحكام الفكرة، وسلامة التفكير، ولكن تزيد عليها في حلاوة النغم، وتساوق الفكر، وتآخي الألفاظ مع المعاني.
نعم إنَّ الأدب القصص في اليونان كثير، وهو خلاصة ما عندهم ولبّه، وهو عند العرب قليل أو أقلّ من القليل، والسبب في ذلك هو أنَّ هذا ثمرة الكتابة التي تتيح للكاتب فرصة التأليف وتلفيق الوقائع، بحيث تكون كل واقعة لفق الأخرى مسلسلة معها، في خيال متسق، وهكذا.
أمَّا العرب الذين غلبت عليهم الأمية مع تذوّق القول، وتخيّر خيره، واستهجان هجينه، فإنَّ أدبهم يكون باللمح السريع، والنظر الخاطف أحيانًا، والمستبصر المتدبر في أكثر الأحيان عند الذين أوتوا فكرًا وعقلًا وإدراكًا، وفي الجملة لا وسط بين كلامهم وجنانهم، ولا زمن مستغرق بين خاطرهم وقولهم، فتكون خيالاتهم فيها جمال اللمح، وقوة اللحظ، وسرعة الإدراك.
27 - ولذلك أجمع المؤرخون في القديم والحديث على أن العرب لهم مآثر في البيان، وذوق الكلام، والتفريق بين كريمه وسقيمه، وجميله وهجينه.
ولنترك الكلمة للقاضي عياض المتوفَّى سنة 544هـ يصف بيانهم في كتابه الشفاء، فهو يقول: خصوا من البلاغة والحكم بما لم يخص به غيرهم من الأمم، وأوتوا من ذرابة اللسان ما لم يؤت إنسان، ومن فصل الخطاب ما يقيد الألباب، وجعل الله لهم ذلك طبعًا وخلقة، وفيهم غريزة وقوة، يأتون منه على البديهة بالعجب، ويدلون به إلى كل سبب، فيخطبون بديهًا في المقامات وشديد الخطب، ويرتجزون به بين الطعن والضرب، ويمدحون ويقدحون، ويتوسلون ويتوصلون، ويرفعون ويضعون، فيأتون من ذلك بالسحر الحلال، ويطوقون من أوصافهم أجمل من سمط اللآلئ، فيخدعون الألباب، ويذللون الصعاب، ويذهبون الإحِن، ويهيجون الدِّمَن، ويجرئون الجبان، منهم البدوي ذو اللفظ الجزل والقول الفصل، والكلام الفخم والطبع الجوهري، والمنزع القوي، ومنهم الحضري - أي: ساكن المدن - ذو البلاغة البارعة، والألفاظ الناصعة، والكلمات الجامعة، والطبع السهل، والتصرُّف في القول القليل الكلفة، الكثير الرونق، والرقيق الحاشية. إلى آخر ما ذكره عياض في بيان بلاغة العرب، ومقدار إدراكهم لجمال الكلمات في رنينها، كما يدرك الصيرفي رنين الحلى الكريمة غير الزائفة، من بين ما يعرض له.
تلك كانت حال العرب في جاهليتهم، كانت جهلًا بالدين مع بقايا ملة إبراهيم، وليسوا جهالًا في البيان ومعرفة أسرار البلاغة، يدركونه بلحظ الحال، لا بإمعان عقل وطول تفكير، يدركونه بنغماته ومعانيه في لمح الفكر من غير طول المكث.
لذلك كان المناسب لمثل هؤلاء الذين تلقَّوا دعوة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخاطبهم القرآن الكريم ابتداءً أن تكون المعجزة من النوع الذي يحسنونه، ليعرَّفوا مقدار علوِّه عن الطاقة، فالمعجزة بلا شك تناسبهم فوق مناسبتها لموضوع الرسالة وعموم أزمانها وخلودها إلى يوم القيامة، وقد بيَّنَّا ذلك في أول الكلام، فإذا كانت معجزة النبي صلى الله عليه وسلم من نوع الكلام السامي فوق طاقة الناس، فإنها تكون مناسبة لمن تلقَّوْها في أول أمرها ومناسبة لخلودها.
إننا لا ننفي الآن، ولم ننف من قبل أنها مناسبة لعصر نزولها، ولكننا نقول أيضًا: إنَّها مناسبة لموضوع الرسالة وخلودها، وبقائها إلى يوم القيامة.
إن القرآن في أعلى درجات البيان من حيث لفظه، ومن حيث نغماته، ومن حيث مغازيه، ومن حيث الصور البيانية التي تكون في ألفاظه وعباراته، حتى إنَّ كل عبارة تلقي في الفكر والخيال بصورة بيانية كاملة في روعتها، ودقة تصويرها، بل إن كل كلمة لها صورة بيانية تنبثق منها منفردة، وبتآخيها مع أخواتها في العبارة تتكون صورة بيانة أخرى، فوق أنَّ الرنين الموسيقى تنفعل به الأسماع إلى القلوب في معان محكمة، وحقائق بينة، وشرائع منظمة للعلاقات والسلوك الإنساني القويم، الهادي إلى الصراط المستقيم.
التقى في المعجزة الكبرى للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي القرآن المبين معنيان، أصيب بهما هدفان:
أولهما: إنَّه المناسب الذي يعرف به العرب معنى الشيء الخارق لما عرف، الخارج عن طاقتهم، فإنه لا يدرك أثر ذلك إلا هم، ولا يعرف مقامه إلَّا من على شاكلتهم من معرفة مقامًا لقول، ومنزلة البيان.
وثانيهما: إنَّ كونه من نوع الكلام الموحى به الباقي الخالد الذي حفظه الله تعالى، ووعد بحفظه إلى يوم القيامة كما تلونا من قبل {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] وذلك يناسب رسالته التي هي خاتم الرسائل الإلهية التي جاء بها محمد رسول الله تعالى خاتم النبيين، بصريح القرآن الكريم، فلا نبوة بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
فكان المناسب أن تكون المعجزة من نوع الكلام الخالد الباقي، كما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما من نبي إلّا أوتي ما مثله آمن عليه البشر، وكان الذي أوتيته وحيًا به إليّ، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا إلى يوم القيامة». كما روينا من قبل، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
وإنه معجزة للخليقة كلها، وفيه الدليل على أنه من عند الله للناس أجمعين، فهو إن جاء بلسان العرب، وفيه أعلى درجات البيان العربي، يشتمل في ثناياه على ما يعجز الناس أجمعين، فإذا كان قد أعجز العرب ببيانه، فقد أعجز الناس أجمعين بمعانيه وشرائعه، وما اشتمل عليه من علوم، بل بمبانيه أيضًا، قال منزله - عز من قائل: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] تعالت كلمات الله تعالى.

.تلقي العرب للقرآن:

28 - كلف محمد عليه الصلاة والسلام أن يستعد للقاء الرسالة الإلهية لينشر التوحيد والخلق المستقيم والعبادة الخالصة لله تعالى بين الناس، وكان تكليفه بالقرآن وأول نزوله، فقال له جل جلاله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5].
تقدم محمد للدعوة إلى ربه معتمدًا على أمرين بعد تأييد الله تعالى له وإعزازه، ومصابرته وأخذهم بالحسنى.
اعتمد أولًا على الحق الذي يدعو إليه، فالحق ذاته قوة لا تعدلها قوة عند النفوس التي لم تتعوج بمفاسد العصبية، أو التقليد المصم عن الحق، فذكر لهم التوحيد، وقد كانوا على إدراك له في الجملة، كما بيَّنَّا عند الكلام في القسم التاريخي عن بقاء بعض المأثورات عن إبراهيم - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتمَّ التسليم.
وكان التنبيه إلى أنَّ الأوثان لا يعقل أن تعبد، وإزالة ما حولها من أوهام، وما علق بها من خرافات ما أنزل الله بها من سلطان، وقد بَيِّنَ ذلك محمد صلى الله عليه وسلم على أكمل وجه.
واعتمد مع نور الحق في ذاته على نور القرآن المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو في هدأة الداعي الرشيد يدعوهم إلى هجر عبادة الأوثان، ويقرأ عليهم القرآن الكريم، ففي دعوة الحق وفي القرآن البرهان القاطع والضوء اللامع.
كانوا ينفرون من الحقِّ المجرَّد؛ لأنه يخالف ما ألفوا، وما وجدوا عليه آباءهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170].
ولكنَّهم إذا استمعوا إلى القرآن تحيَّرت الأفهام، واضَّطربت أحوالهم بين قديم ألفوه، وحقّ في القرآن عرفوه، فهم يحاورون في الحق، ولكن لا يدرون ماذا يدفعون به القرآن الذي يحمله ويدعو إليه وإلى ما جاء به، وإنهم بذوقهم البياني يجدون أنه فوق كل كلام، ولا يمكن أن يجري به لسان من ألسنتهم وأمثالهم، بل لا يمكن أن يأتيبه محمد من عنده؛ لأنهم من قبل عرفوا كلامه، وقد رأوه عاليًا في جوامع كلمه، ولكنَّ القرآن أعلى من طاقة الإنسان ومن طاقة محمد ذاته.
ماذا يقولون فيه؟ أيقولون إنه باطل وقد كبروا ما هو دونه من قصيد ورجز، إن في ذلك كانت الحيرة، وهم من الناحية البيانية لم يتهافتوا ولم يسفوا في القول؛ وإذا كان فيهم حمقى حاولوا أن يجاروه، أو ادَّعَوْا أنهم يجارونه، وعرضوا ما قالوا، فنال الاستضحاك والسخرية، وزاد القرآن الكريم مكانة وتقديرًا، وما كان لأمثال أبي سفيان والوليد بن المغيرة أن يسفّوا بأنفسهم ذلك الإسفاف، بل إنَّه لم يسف إلى هذا عمرو ابن هشام (أبو جهل)؛ لأنه يعلم مقدار علوِّه، فلا يتهافت إلى إنكار مكانته في البيان، فهو يستبيح أذى النبي صلى الله عليه وسلم وأذى أصحابه، ولا يستبيح الطعن في مقام القرآن البياني؛ لأنه يلحقه الطعن بالأذى والتصغير، ولا يلحق محمدًا الذي نزل القرآن عليه، وخاطب به الناس أجمعين، ولنذكر لك أخبار من سمع القرآن، وخرَّ بين يديه صاغرًا مع شدة العداوة والملاحاة واللدد والخصومة، والبقاء على الكفر، والإصرار على الشرك.
29 - (أ) سمعه الوليد بن المغيرة فرقَّ له رقة لم تعرف فيه نحو الإسلام، فخشي أبو جهل (عمرو بن هشام) أن يسير في الطريق القويم إلى الإسلام، فأنكر عليه أبو جهل حاله، ولكنه لم يستطع أن يقول في القرآن شيئًا، فقال له الوليد:
(والله ما منكم أحد أعلم بالأشعار مني، أعرف رجزها وقصيدها، والله ما يشبه الذي يقوله شيئًا من ذلك، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، ما يقول هذا بشر).
ولقد اجتمعت قريش عند الوليد يتذاكرون، ماذا يقولون في القرآن وقد رأوا العرب يفدون، ويستمعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيبلغ القرآن منهم أعماق نفوسهم، فكيف يصدونهم عن ذكر الله، وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم، فأثمروا واجتمعوا حول الوليد، ليتعلَّموا ماذا هم قائلون لمنع الحق، وقد قال لهم أولًا الحق على ريب في نفسه.
قال لهم الوليد العارف الضال: إن وفود العرب ترد، فأجمعوا فيه رأيًا لا يكذب بعضكم بعضًا.
قالوا: نقول: كاهن.
قال: والله ما هو بكاهن، ما هو بزمزمته، ولا سجعه.
قالوا: مجنون.
قال: ما هو بمجنون، ولا بخنقه، ولا بوسوسته.
قالوا: فنقول شاعر.
قال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه، ومبسوطه ومقبوضه، ما هو بشاعر.
قالوا: فنقول ساحر.
قال: ما هو بساحر ولا نفثه ولا عقده.
قالوا: فما تقول أنت؟
قال: ما أنتم بقائلين في هذا شيئًا، إلّا وأنا أعرف أنه باطل، وإن كان أقرب القول أنه ساحر؛ فإنه سحر يفرق بين المرء وابنه، والمرء وأخيه، والمرء وزوجه، والمرء وعشيرته. (فتفرقوا وجلسوا على السبل يحذرون الناس).
(ب) ولنذكر خبر عتبة بن أبي ربيعة، فقد سمع القرآن وهو على الشرك، ومن كبراء قريش، فأدرك بذوقه البياني مقام القرآن، وقال مقاله الحق: (والله قد سمعت قولًا ما سمعت مثله قط، ما هو بالشعر ولا بالكهانة).
(ج) وقد ورد في حديث إسلام أبي ذر الغفاري أنه قال: (ما سمعت بأشعر من أخي أنيس، لقد ناقض اثنى عشر شاعرًا في الجاهلية، أنا أحدهم، وقد انطلق إلى مكة، وجاء أنيس إلى أبي ذر بخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو ذر: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر كاهن ساحر، لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعته على أوزان الشعر فلم يلتئم، وما يلتئم على لسان أحد، وإنه لصادق وإنهم لكاذبون).
(د) إنَّ كبار المعارضين للنبي صلى الله عليه وسلم خافوا على أنفسهم من أن يؤثر القرآن فيهم، واستحبّوا الكفر على الإيمان، واستحبّوا العمى على الهدى، ولذلك تفاهموا فيما بينهم ألَّا يسمعوا لهذا القرآن؛ لأنَّ الذين يسمعونه يتأثرون بما فيه من علوِّ بيان، وإنه فوق طاقة البشر، ووجدوا الناس يؤمنون به فرادى، ومنهم كبراء كانوا ذوي مقام وجبروت فوجدوا الإيمان يقوى ويكثر أهله، والشرك يضعف وينقص عدده، تفاهموا على ألَّا يسمعوا لهذا القرآن كما أشرنا، وأن يهرجوا بالقول عند سماعه، ولقد حكى الله سبحانه وتعالى - عنهم ذلك، فقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26].
(هـ) ولقد كانوا إذا تلي عليهم القرآن لا ينقده كبراؤهم، وإن كان السفهاء السفسافون منهم يتطاولون لحمقهم، أمَّا الذين أوتوا حظًّا من الإدراك، ولو أعمتهم العصبية وأبعدتهم عن الإيمان، فإنهم يفرون من مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: {قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} [فصلت: 5].
(و) وإنَّ الله سبحانه وتعالى - لم يتركهم في هذا العجز الصامت الذي يفرون فيه من المواجهة، ولا يريدون المناصبة، بل يكتفون بالسكوت العاجز، ويحاولون التمويه على غيرهم، كما كفروا في أنفسهم بالحق، وقد عرفوه، بل تحدَّاهم أن يأتوا بمثله؛ ليثير حميتهم أو يؤمنوا به. وليبين ضعفهم أو يستسلموا، فقال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس: 38] أي: إنه إذا كان قد نسبه لله تعالى افتراء وهو منه، فمحمد منكمن فأتوا بمثله إن كنتم صادقين، وادعوا شهداء لكم أو عليكم.
وادعوا أن ما فيه غير صادق فتحدَّاهم سبحانه وتعالى - أن يأتوا بمفترى يكون في مثل بيانه، فقال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [هود: 13].
30 - وننتهي من ذلك إلى حقيقتين ثابتتين نشير إليهما بالإجمال، وسنتعرض ببعض التفصيل عند الكلام عن وجوه الإعجاز.
الحقيقة الأولى: إنَّ قريشًا مع شدة ملاحاتها للنبي صلى الله عليه وسلم، ومع أن القرآن قد ذكر آباءهم بغير ما يحبون، وذكر أوثانهم بغير ما يؤمنون، لم يتحرَّكوا لأن يقولوا مثله، وأذعنوا لبلاغته وقوته، وما أسلم عمر بن الخطاب إلَّا بعد أن قرأ فيه، وكذلك جبير بن مطعم، وإنَّ القرأن تحداهم أن يأتوا بمثله فما فعلوا، بل ما تحرَّك العقلاء منهم لِأَنْ يفعلوا حتى لا يسفّوا في تفكيرهم وهم أمام رجل كبير في قومه وعقله، ومعه آيات الله تعالى البينات، فدل هذا على عجز مطلق.
الحقيقة الثانية: إنَّ القرآن جذب العرب إلى الإيمان بما فيه من روعة وقوة بيان، وإيجاز معجز، وأقوال محكمة، وقصص تطول وتقصر، وهي مملوءة بالعبرة في طولها وقصرها، وإطنابها الرائع وإيجازها الذي لا يدع صغير ولا كبير إلا أوفاها بالعبارة الناصعة، والإشارة الواضحة، فما كان الإيمان نتيجة تحدٍّ للمقاويل منهم وعجز، وإن كان العجز ثابتًا، وإنما كان الإيمان ثابتًا بالقرآن، فهو الذي جذب إلى الإيمان بما فيه من بيان أدركوا أنَّه فوق طاقة البشر، وأنَّه حقائق ثابتة كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25].
وإنَّ الثابت مع ذلك أنه لم يحاول أحد من أهل البيان أن يأتي بمثله، ولم يعرف ذلك، وإذا كان التاريخ قد ذكر شيئًا من هذه المحاولة فإنه كان في أيام الردة من مسيلمة الكذاب وأشباهه، وإن هذا الجزء الذي رواه التاريخ الذي روى تلك الكلمات التي حاول بها مسليمة الكذاب أن يجاري فيها القرآن، بَيِّن مقدار إدراك المشركين؛ إذ لم يحاولوا المجاراة حتَّى لا يسفوا، ويكونوا أضحوكة بين العرب، وموضع سخرية، يسخرون بعقولهم، ولننقل لك ما نقله الباقلاني في إعجاز القرآن، ليتعجب وليتبصر الناظر، كما قال الباقلاني، فإنَّه على سخافته قد أضلّ، وعلى ركاكته قد أزل؛ لأنَّ الزلل سابق على سماعه، والكفر سابق على ابتداعه، وميدان الجهل واسع، والحماقة له أهل، وميدانها عندهم، ونحن إذا قلنا: إنَّ المشركين ضلوا، فهم في عقولهم كانوا أوسع إدراكًا، وإن جحدوا.
انظر ما قال الجهول يحاكي القرآن: (والليل الأطقم، والذئب الأدلم، والجذع الأزلم، ما انتهكت أسيد من أحرم)، لقد قال هذا لفضِّ خلاف وقع في قوم أصحابه: إنه ليس جديرًا بأن سمَّى كلامًا فضلًا عن أن يكون له فصاحة أو بلاغة، أو أي نوع من الإدراك البياني.
وهو يقول في الحكم في هذا الخلاف أيضًا:
(والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس).
وكان يقول: (ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين، لنا نصف الأرض، ولقريش نصفها).
وقالت سجاح بنت الحارث بن عقبان، وكانت تتنبأ، فاجتمع مسيلمة معها، فقالت له: ما أوحي إليك؟ قال: أوحي إليَّ (إنَّ الله خلق النساء أفواجًا، وجعل الرجال لهن أزواجًا، فنولج فيهن فقسا إيلاجًا، ثم نخرجها إذا شئنا إخراجًا، فينتجن سخالًا نتاجًا) فقالت: أشهد أنك نبي.
31 - هذه تفاهات القول التي نقلت عن الذين حاولوا معارضة القرآن، وقد أسفوا في القول، وهبطوا في التفكير، مما لم يرد أن ينحدر إليه أرباب البيان من قريش، لأنَّهم يعرفون مقام ما يسمعون من كلام رب العالمين، استطاعوا أن يجحدوا الحق وقد عرفوه، ولم يستطيعوا أن ينزلوا بمقامهم من الإدراك البياني فيفندوا بيانهم وذوقهم الكلامي، وإن ارتضوا أن يفسدوا عقائدهم، ويكابروا في دينهم، ويكذبوا رسالة ربهم.
وقد يقول قائل: إنَّ التاريخ الإسلامي لم يروِ غير الذين صدقوا وآمنوا، فحذفوا ما كانت فيه معارضة للقرآن الكريم، وذلك كلام قيل من الأفاكين، ويرده أمران:
أولهما: إنَّه ما كان يمكن أن يعمّ الإيمان، وثمَّة معارضون للقرآن في جَدٍّ لا لهو فيه، ولا عبث.
ثانيهما: إنَّ أعداء الإسلام كانوا في كل زمان منذ ظهر محمد إلى أن قبضه الله تعالى، ودخل الناس في دين الله تعالى أفواجًا أفواجًا، فالزنادقة كانوا منبثين في مشارق الأراضي ومغاربها، لا يألون المسلمين وبالًا، وكانوا أعداء الإسلام في أوساط المسلمين وبين ظهرانيهم، فبثوا الأفكار المنحرفة، والأقوال الهادمة، والمذاهب المخربة، وأولئك ما كانوا ليستروا الكلام الذي عورض به القرآن؛ إذ يرون فيه هدم الأصل، وأقصى ما استطاع أولئك الزنادقة أن يفعلوه هو أن يدعوا أن عبد الله بن المقفّع اتجه إلى أن يكتب كتابًا يعارض به القرآن، وهو إن صحَّ كلامهم فيه يدل على أنه نوى ولم يفعل، ولو فعل لنظرنا إلى ما أتى به، وإننا نشك في أصل صحته، ولكنهم يريدون أن يثيروا الغبار، والغبار قد يغشى الأعين المريضة، وإن كان قد أراد هذا فهو دليل على حمقه، ويثبت زندقته التي اتهم بها، وإنَّه أشاع ذلك توهينًا، وإن علم أنَّ المحاولة فوق طاقة البشرة.